محمد بن جرير الطبري

181

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب ، فقال بعضهم : يا أبا العباس ، إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب ، أن موسى النبي الذي طلب العالم ، إنما هو موسى بن ميشا . قال سعيد : قال ابن عباس : أنوف يقول هذا ؟ قال سعيد : فقلت له نعم ، أنا سمعت نوفا يقول ذلك ، قال : أنت سمعته يا سعيد ؟ قال : قلت : نعم ، قال : كذب نوف ثم قال ابن عباس : حدثني أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن موسى هو نبي بني إسرائيل سأل ربه فقال : أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم منى فأدللني عليه ، فقال له : نعم في عبادي من هو أعلم منك ، ثم نعت له مكانه ، وأذن له في لقيه ؛ فخرج موسى معه فتاه ومعه حوت مليح ، وقد قيل له : إذا حيى هذا الحوت في مكان فصاحبك هنا لك وقد أدركت حاجتك ؛ فخرج موسى ومعه فتاه ، ومعه ذلك الحوت يحملانه ، فسار حتى جهده السير ، وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء ، ماء الحياة ، من شرب منه خلد ، ولا يقاربه شيء ميت إلا حبي ؛ فلما نزلا ، ومس الحوت الماء حيى ، فاتخذ سبيله في البحر سربا ؛ فانطلقا ، فلما جاوزا منقلبه قال موسى : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . قال الفتى وذكر : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وماأنسانيه إلا الشيطان أن أذكره . واتخذ سبيلا في البحر عجبا " قال ابن عباس : فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها ، فإذا رجل متلفف في كساء له ، فسلم موسى ، فرد عليه العالم ، ثم قال له : وما جاء بك ؟ إن كان لك في قومك لشغل ؟ قال له موسى : جئتك لتعلمني مما علمت رشدا ، قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وكان رجلا يعلم علم الغيب قد علم ذلك ، فقال موسى : بلى وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً وإن رأيت ما يخالفني ، قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ وإن أنكرته حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ، يتعرضان الناس ، يلتمسان من يحملهما ، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها ، فسألا أهلها أن يحملوهما ، فحملوهما ، فلما اطمأنا فيها ، ولجت بهما مع أهلها ، أخرج منقارا له ومطرقة ، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ، ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ، ثم جلس عليها يرقعها . قال له موسى ورأى أمر أفظع به : أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أي ما تركت من عهدك وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ثم خرجا من السفينة ، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية فإذا غلمان يلعبون خلفها ، فيهم غلام ليس في الغلمان أظرف منه ، ولا أثرى ولا أوضأ منه ، فأخذه بيده ، وأخذ حجرا ، قال : فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله ، قال : فرأى موسى أمرا فظيعا لا صبر عليه ، صبي صغير لا ذنب له قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ أي صغيرة بغير نفس لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً أي قد أعذرت في شأني فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فهدمه ، ثم قعد يبنيه ، فضجر موسى مما رآه يصنع من التكليف لما ليس عليه صبر ، فقال : لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا ، وضفناهم فلم يضيفونا ، ثم قعدت في غير صنيعة ، ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عمله قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ، وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً وفي قراءة أبي بن كعب : " كل سفينة صالحة " ، وإنما عبتها لأرده عنها ، فسلمت حين رأى العيب الذي صنعت بها . وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي